ابن قيم الجوزية

387

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يعرض للعامل في عمله ثلاث آفات : رؤيته ، وملاحظته ، وطلب العوض عليه ، ورضاه به ، وسكونه إليه . ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية . فالذي يخلصه من رؤية عمله : مشاهدته لمنة اللّه عليه ، وفضله وتوفيقه له . وأنه باللّه لا بنفسه ، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة اللّه لا مشيئته هو ، كما قال تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ التّكوير : 29 ] . فهنا ينفعه شهود الجبر ، وأنه آلة محضة ، وأن فعله كحركات الأشجار ، وهبوب الرياح ، وأن المحرك له غيره ، والفاعل فيه سواه ، وأنه ميت - والميت لا يفعل شيئا - وأنه لو خلي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء البتة . فإن النفس جاهلة ظالمة ، طبعها الكسل ، وإيثار الشهوات ، والبطالة . وهي منبع كل شر ، ومأوى كل سوء . وما كان هكذا لم يصدر منه خير ، ولا هو من شأنه . فالخبر الذي يصدر منها : إنما هو من اللّه ، وبه . لا من العبد ، ولا به . كما قال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ [ النّور : 21 ] وقال أهل الجنة : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] وقال تبارك وتعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) [ الإسراء : 74 ] وقال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 7 ] الآية . فكل خير في العبد فهو مجرد فضل اللّه ومنته ، وإحسانه ونعمته . وهو المحمود عليه . فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة ، كرؤيته لصفاته الخلقية : من سمعه وبصره ، وإدراكه وقوته . بل من صحته ، وسلامة أعضائه ، ونحو ذلك . فالكل مجرد عطاء اللّه ونعمته وفضله . فالذي يخلّص العبد من هذه الآفة : معرفة ربه ، ومعرفة نفسه . والذي يخلصه من طلب العوض على العمل : علمه بأنه عبد محض . والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة . إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته . فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه ، وإحسان إليه ، وإنعام عليه ، لا معاوضة . إذ الأجرة إنما يستحقها الحر ، أو عبد الغير . فأما عبد نفسه فلا . والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه : أمران : أحدهما : مطالعة عيوبه وآفاته ، وتقصيره فيه ، وما فيه من حظ النفس ، ونصيب الشيطان . فقلّ عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب ، وإن قل . وللنفس فيه حظ . سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته ؟ فقال : « هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد » . فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه . فكيف التفات قلبه إلى ما سوى اللّه ؟ هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية . وقال ابن مسعود : « لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته ، يرى أن حقا عليه : أن لا ينصرف إلا عن يمينه » فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من صلاة العبد . فما الظن بما فوقه ؟ . وأما حظ النفس من العمل : فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون .